عبد الوهاب الشعراني
226
تنبيه المغترين
ذكر اللّه عز وجل يميدون كما تميد الشجرة في يوم الريح وتمهل أعينهم حتى تبتل ثيابهم وتصير دموعهم كآثار ماء الوضوء ، فإذا كان وقت السحر يدهنون وجوههم ويكتحلون كأنهم باتوا نائمين غافلين . وكان أبو مسلم الخولاني رحمه اللّه تعالى قد وضع في مكان تهجده سوطا فكان كلما أخذته فترة ضرب نفسه بالسوط ويقول : لها قومي لعبادة ربك واللّه لأزحفن بك زحفا حتى يكون الكلال منك لا مني وإنك أولى بالضرب من الدابة لموضع عقلك وكثرة دعاويك ، وقد تعبد ضيغم العابد رحمه اللّه تعالى قائما حتى أقعد وتعبد قاعدا حتى أستلقي وتعبد مستلقيا حتى مات رحمه اللّه . وكان أبو حازم رحمه اللّه تعالى يقول : لقد أدركنا قوما كانوا في العبادة على حد لا يقبل الزيادة ، قال : وتعقد ساقا صفوان بن سليم رحمه اللّه تعالى من طول القيام حتى لو قيل له إن الساعة تقوم غدا ما وجد زيادة على ما هو فيه ، وكان إذا جاء الشتاء يتهجد فوق السطح حتى مات وهو ساجد ، وكان القاسم بن محمد رحمه اللّه تعالى يقول : رأيت أم المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها تصلي الضحى وهي تردد قوله تعالى : [ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ ] إلى قريب الزوال وهي تبكي ، وكان أمير المؤمنين علي رضي اللّه عنه يقول : علامة الصالحين صفرة الألوان من طول السهر ، وعمش العيون من طول البكاء وذبول الشفاه من كثرة الصوم . وقد كان الحسن البصري رحمه اللّه تعالى يقول لمجتهدي زمانه في العبادة : واللّه إن اجتهادكم كاللعب بالنظر لمن كان قبلكم ، وكان عتبة الغلام رحمه اللّه تعالى يقطع الليل بثلاث صيحات فكان يضع رأسه في طوقه يتفكر فإذا مضى كل ثلث من الليل يصيح صيحة ، فقالوا لجعفر بن محمد الصادق رضي اللّه عنهما على ذلك ، فقال : لا تنظروا إلى صياحه ولكن انظروا ما صاح منه . وقد كان حبيبة العدوية رحمها اللّه تعالى إذا صلت العتمة قامت على سطح لها وشدت عليها درعها وخمارها ثم تقبل على صلاتها إلى الفجر ، وكانت تقول في مناجاتها : اللهم اغفر لي سوء أدبي في صلاتي ، وقد كانت عجرة العابدة رحمها اللّه تعالى تحيي الليل كله وهي مكفوفة ثم تنادي بصوت محزون إلهي سار العابدون إلى حضرتك وأنا خامدة العزيمة ، وقد كانت عفيرة العابدة رحمها اللّه تعالى لا تضع جنبها إلى الأرض في ليل ولا نهار وتقول : أخاف أن أؤخذ على غرة وأنا نائمة .